أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
266
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
[ سورة إبراهيم ( 14 ) : الآيات 27 إلى 28 ] يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ ( 27 ) أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ ( 28 ) قوله : وَأُدْخِلَ . قرأ العامة « أُدْخِلَ » ماضيا مبنيا للمفعول ، والفاعل اللّه أو الملائكة ، والحسن ، وعمرو بن عبيد « أدخل » مضارعا مسندا للمتكلم ، وهو اللّه ، فمحل الموصول على الأولى رفع ، وعلى الثانية نصب . قوله : بِإِذْنِ رَبِّهِمْ في قراءة العامة يتعلق ب « أُدْخِلَ » ، أي : ادخلوا بأمره وتيسيره ، ويجوز تعلقه بمحذوف على أنه حال ، أي : ملتبسين بأمر ربهم ، وجوّز أبو البقاء : أن يكون من تمام « خالِدِينَ » . يعني : أنه متعلق به ، وليس بممتنع ، وأما على قراءة الشيخين فقال الزمخشري : فإن قلت : فبم يتعلق في القراءة الأخرى ، وقولك : وأدخل أنا بإذن ربهم كلام غير ملتئم ؟ قلت : الوجه في هذه القراءة أن يتعلق بما بعده ، أي : « تحيّتهم فيها سلام بإذن ربّهم » وردّ عليه الشيخ « 1 » هذا : بأنه لا يتقدم معمول المصدر عليه . وقد علقه غير الزمخشري ب « أُدْخِلَ » ولا تنافر في ذلك ، لأن كل أحد يعلم أن المتكلم في قوله : وأدخل أنا هو الرب تعالى ، وأحسن من هذين أن يتعلق في هذه القراءة بمحذوف على أنه حال ، كما تقدم تقريره . و « تَحِيَّتُهُمْ » مصدر مضاف لمفعوله ، أي : يحييهم اللّه أو ملائكته ، ويجوز أن يكون مضاعفا لفاعله ، أي : يحيي بعضهم بعضا . ويعضد الأول وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ . و « فِيها » متعلق به . قوله : ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً . فيه ثلاثة أوجه : أحدها : « ضَرَبَ » متعدية لواحد بمعنى اعتمد مثلا ، ووضعه . و « كَلِمَةً » على هذا منصوبة بمضمر ، أي : جعل كلمة طيبة كشجرة طيبة ، وهو تفسير لقوله « ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا » كقولك : « شرّف الأمير زيدا : كساه حلّة ، وحمله على فرس » وبه بدأ الزمخشري . قال الشيخ « 2 » : وفيه تكلف إضمار لا ضرورة تدعو إليه - قلت : بل معناه محتاج إليه ، فيضطر إلى تقديره محافظة على لمح هذا المعنى الخاص . الثاني : أن « ضَرَبَ » متعدية لاثنين ، لأنها بمعنى : صيّر لكن مع لفظ المثل خاصة . وقد تقدم هذا الموضوع فتكون « كَلِمَةً » مفعولا أول ، و « مَثَلًا » هو الثاني وقد تقدم . الثالث : أنه متعد لواحد ، وهو « مَثَلًا » ، و « كَلِمَةً » بدل منه و « كَشَجَرَةٍ » خبر مبتدأ مضمر ، أي : هي كشجرة ، وعلى الوجهين قبله تكون « كَشَجَرَةٍ » نعتا ل « كَلِمَةً » . والثاني : أنها مرفوعة بالابتداء ، و « كَشَجَرَةٍ » خبره ، وقرأ أنس بن مالك : « ثابت أصلها » قال الزمخشري : « فإن قلت : أي فرق بين القراءتين ؟ قلت : قراءة الجماعة أقوى معنى ، لأنّ في قراءة أنس أجريت الصفة على الشجرة ، ولو قلت : « مررت برجل أبوه قائم » ، فهو أقوى من « رجل قائم أبوه » ، لأن المخبر عنه إنما هو الأب لا رجل . والجملة من قوله : « أَصْلُها ثابِتٌ » في محل جر نعتا ل « شجرة » .
--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 5 / 421 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 5 / 421 ) .